السيد هاشم البحراني

157

البرهان في تفسير القرآن

ذميال عبدي ، المجتهد في عبادته ، القانع باليسير من ظاهر « 1 » الدنيا ، عشاء أمس ، لما اعتر « 2 » ببابك عند أوان إفطاره ، وهتف بكم : أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع . فلم تطعموه شيئا ، فاسترجع واستعبر وشكا ما به إلي ، وبات طاويا ، حامدا لي ، وأصبح لي صائما ، وأنت - يا يعقوب - وولدك شباع ، وأصبحت وعندكم فضل من طعامكم . أو ما علمت - يا يعقوب - أن العقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي ؟ وذلك حسن النظر مني لأوليائي ، واستدراج مني لأعدائي ، أما وعزتي لأنزلن بك بلواي ، ولأجعلنك وولدك غرضا لمصابي ، ولأؤدبنك بعقوبتي ، فاستعدوا لبلواي ، وارضوا بقضائي ، واصبروا للمصائب » . فقلت لعلي بن الحسين ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، متى رأى يوسف الرؤيا ؟ فقال : « في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب وآل يعقوب شباعا ، وبات فيها ذميال طاويا جائعا ، فلما رأى يوسف الرؤيا وأصبح يقصها على أبيه يعقوب ، فاغتم يعقوب لما سمع من يوسف وبقي مغتما ، فأوحى الله عز وجل إليه : أن استعد للبلاء . فقال يعقوب ليوسف : لا تقصص رؤياك على إخوتك فإني أخاف أن يكيدوا لك كيدا ، فلم يكتم يوسف رؤياه وقصها على إخوته » . قال : علي بن الحسين ( عليه السلام ) : « وكانت أول بلوى نزلت بيعقوب وآل يعقوب الحسد ليوسف لما سمعوا منه الرؤيا - قال - فاشتدت رقة يعقوب على يوسف ، وخاف أن يكون ما أوحى الله عز وجل إليه من الاستعداد للبلاء هو في يوسف خاصة ، فاشتدت رقته عليه من بين ولده ، فلما رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف وتكرمته إياه وإيثاره إياه عليهم ، اشتد ذلك عليهم وبدأ البلاء منهم « 3 » فتآمروا فيما بينهم وقالوا : * ( لَيُوسُفُ وأَخُوه أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْه أَبِيكُمْ وتَكُونُوا مِنْ بَعْدِه قَوْماً صالِحِينَ ) * أي تتوبون ، فعند ذلك قالوا : * ( يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وإِنَّا لَه لَناصِحُونَ أَرْسِلْه مَعَنا غَداً يَرْتَعْ ) * الآية . فقال يعقوب : * ( إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِه وأَخافُ أَنْ يَأْكُلَه الذِّئْبُ وأَنْتُمْ عَنْه غافِلُونَ ) * فانتزعه حذرا عليه من أن تكون البلوى من الله عز وجل على يعقوب في يوسف خاصة لموقعه من قلبه وحبه له » . قال : « فغلبت قدرة الله وقضاؤه ونافذ أمره في يعقوب ويوسف وإخوته ، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه ، ولا عن يوسف وولده ، فدفعه إليهم وهو لذلك كاره متوقع للبلوى من الله في يوسف ، فلما خرجوا من منزلهم لحقهم مسرعا فانتزعه من أيديهم وضمه إليه واعتنقه وبكى ودفعه إليهم ، فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم ولا يدفعه إليهم ، فلما أمعنوا « 4 » به أتوا به غيضة « 5 » أشجار ، فقالوا : نذبحه ونلقيه تحت هذه الشجرة

--> ( 1 ) في « س » : طاهر . ( 2 ) في « ط » : عبر . ( 3 ) في « ط » والمصدر : فيهم . ( 4 ) أمعن : أبعد . « لسان العرب - معن - 13 : 409 » . ( 5 ) الغيضة : مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر . « لسان العرب - غيض - 7 : 202 » .